Hima4
19-07-2007, 03:00 PM
http://www.almasry-alyoum.com/images/elmasry/top_head.jpg
جـــودي
بقلم خيري رمضان ١٩/٧/٢٠٠٧
ظللت طوال عمري مؤمناً ومتبعاً رأي ونصيحة الكاتب الراحل الأستاذ أحمد بهاء الدين، بألا أستغل الكتابة للتعبير عن مشكلة شخصية، مهما كنت علي حق، ولكنني هذه المرة أجدني في حاجة إلي بث حزني إليكم، وكما أشارككم همومكم وأحزانكم، فمن حقي أن أحزن علنا مرة، وإن كانت الأزمة أكبر بكثير من الحزن الخاص.. وإليكم الحكاية:
سافر شقيقي الأصغر منذ سنوات إلي السعودية، مغتربا وحيداً بحثا عن فرصة للاستقرار، عاني طويلا في عمله كمحاسب في شركات مختلفة، حتي كون من المال ما يمكنه من إكمال نصف دينه، وفقه الله إلي الزواج من فتاة جميلة، تنتمي إلي أسرة طيبة، وسافرا معا لمواصلة رحلة الكفاح.
عاشا سنوات ينتظران أن يمن الله عليهما بنعمة الإنجاب، بمن يملأ عليهما وحدتهما، ولكن كانت هناك مشكلات صحية، استدعت علاجات طويلة المدي، وكان الله رفيقا بهما، فوهبهما بعد صبر جميل، طفلة رائعة الرقة والجمال سمياها «جودي»، فملأت الدنيا من حولهما فرحا وشقاوة.
غابوا في السعودية عاما ونصف العام، والشوق زائد لرؤية «جودي»، الجدة والجدة للأم، استحلفاها أن تأتي زيارة ليريا حفيدتهما، كما كنا نحن أشقاءه في شوق لذلك، فاستجاب شقيقي لذلك صاغرا لرغبتنا، علي الرغم من أنه لم يعد يطيق الحياة يوما بدونها.
ظلت «جودي» بيننا لمدة شهر، كانت مثل كل الأطفال في عمرها، بهجة للروح، قبل سفرها إلي والدها بيوم واحد، أحست الأم بارتفاع درجة حرارة طفلتها، ففعلت مثل أي أم، توجهت إلي طبيب أطفال، ما إن كشف عليها حتي قال إنها نزلة برد عادية، وكتب لها مضادا حيويا، في المساء لم تهبط الحرارة بل تجاوزت الأربعين، فاتصلت بالطبيب الذي طمأنها وقال لها انتظري ثلاثة أيام «وكله سيكون تمام».
أجلت الأم سفرها، فلا المضاد ولا الكمادات قادران علي مواجهة الحرارة، ذهبت بالطفلة إلي طبيب ثان، فقال لها إن هذا المضاد غير مناسب، وغيره لها مع بعض الأدوية، ولم يتغير شيء، فحملت طفلتها وذهبت إلي مستشفي تبارك للأطفال،
فاحتجزها الأطباء يومين وغيروا المضاد الحيوي ونجحوا في تخفيض درجة الحرارة ونصحوها بالخروج لأن الحالة في تحسن، ولم يمر يوم واحد حتي عادت الأمور السيئة إلي ما كانت عليه، وزاد هزال «جودي» وسعالها الحاد الذي كان يمزق صدر أمها،
خاصة مع ارتفاع درجة الحرارة، فحملتها وذهبت إلي مستشفي الحميات، ولم يتغير شيء، ولم يحدد طبيب واحد ما هو مرض «جودي» ،فحملتها مرة أخري أمها ـ التي أصابها الوهن ـ إلي أستاذ كبير في أمراض الصدر، فما إن رآها حتي قال إنها مصابة بنزلة شعبية حادة قد تنقلب إلي أزمة ربوية، وألغي كل الأدوية السابقة.
عادت الأم وطفلتها إلي بيت أسرتها، ولكن كانت «جودي» محدودة التركيز، زائغة العينين، كان يومها «موافق الخميس»، وفي بلادنا كل الأطباء إجازة خميس وجمعة حتي في المستشفيات لا تجد إلا أطباء صغاراً،
اتصلنا عن طريق واسطة بطبيب أطفال كبير كان يشارك في مؤتمر بالإسكندرية، شرحنا له الحالة، فطلب تغيير المضاد حتي يراها في اليوم التالي، وحدث، وما أن رآها حتي طلب أن تدخل المستشفي فورا، ومن مجرد النظر إليها، أيقن أن هناك التهاباً فيروسياً، فطلب عمل أشعات وتحليلات،
ليتأكد بعدها من صدق ظنه، فيروس وصل إلي المخ، أياما من الرعب، ونحن نطارد فيروسا غامضا مفزعا، يصيب الصغيرة بتشنجات ورعشات مؤلمة، لم يفكر طبيب واحد، ولا مستشفي في إجراء تحليل قبل أن يكتب مضاداً حيويا؟ ألا توجد أي مؤشرات أو بروتوكول علاج للأطفال يجب أن يتبعه الأطباء كل في تخصصه، أم أن المسألة أصبحت بالمعاينة مثل السباكين، حتي هؤلاء أصبحت لديهم أجهزة للكشف!
عشرة أيام أخري في المستشفي، طبيب المخ والأعصاب يعتمد علي مضاد حيوي خاص، وطبيبة أخري تصر علي أن هذا العلاج لن يجدي وحده، وأن الصغيرة تحتاج إلي حقن لرفع المناعة، قيمة الواحدة ٣٥٠٠ جنيه، لا مشكلة، ولكن الطبيب المعالج يرفض بإصرار ويري أن الحالة تتحسن.
فجر الأربعاء كانت «جودي» يقظة، فهي لم تعرف النوم في رحلة ألمها إلا قليلا، بدأت تداعب أمها، تبتسم في وجهها، تتشبث بصدرها، ابتسمت الأم سعيدة بتقدم حالة وحيدتها، فيما كانت «جودي» تسقط فجأة من بين يديها، أسلمت الروح بهدوء وعتاب، بعد أن أصاب الفيروس مركز التنفس في المخ.
«جودي» ليست الوحيدة، آلاف مثلها يدفعون ثمن جهل الأطباء واستسهالهم، وعدم اتباعهم أي أسلوب علمي قبل كتابة دواء، فلو تحدد «الفيروس» منذ البداية لما رحلت «جودي»، ولما عاد والداها إلي حزنهما ووحدتهما وغضبهما من مستوي الطب في مصر!
جـــودي
بقلم خيري رمضان ١٩/٧/٢٠٠٧
ظللت طوال عمري مؤمناً ومتبعاً رأي ونصيحة الكاتب الراحل الأستاذ أحمد بهاء الدين، بألا أستغل الكتابة للتعبير عن مشكلة شخصية، مهما كنت علي حق، ولكنني هذه المرة أجدني في حاجة إلي بث حزني إليكم، وكما أشارككم همومكم وأحزانكم، فمن حقي أن أحزن علنا مرة، وإن كانت الأزمة أكبر بكثير من الحزن الخاص.. وإليكم الحكاية:
سافر شقيقي الأصغر منذ سنوات إلي السعودية، مغتربا وحيداً بحثا عن فرصة للاستقرار، عاني طويلا في عمله كمحاسب في شركات مختلفة، حتي كون من المال ما يمكنه من إكمال نصف دينه، وفقه الله إلي الزواج من فتاة جميلة، تنتمي إلي أسرة طيبة، وسافرا معا لمواصلة رحلة الكفاح.
عاشا سنوات ينتظران أن يمن الله عليهما بنعمة الإنجاب، بمن يملأ عليهما وحدتهما، ولكن كانت هناك مشكلات صحية، استدعت علاجات طويلة المدي، وكان الله رفيقا بهما، فوهبهما بعد صبر جميل، طفلة رائعة الرقة والجمال سمياها «جودي»، فملأت الدنيا من حولهما فرحا وشقاوة.
غابوا في السعودية عاما ونصف العام، والشوق زائد لرؤية «جودي»، الجدة والجدة للأم، استحلفاها أن تأتي زيارة ليريا حفيدتهما، كما كنا نحن أشقاءه في شوق لذلك، فاستجاب شقيقي لذلك صاغرا لرغبتنا، علي الرغم من أنه لم يعد يطيق الحياة يوما بدونها.
ظلت «جودي» بيننا لمدة شهر، كانت مثل كل الأطفال في عمرها، بهجة للروح، قبل سفرها إلي والدها بيوم واحد، أحست الأم بارتفاع درجة حرارة طفلتها، ففعلت مثل أي أم، توجهت إلي طبيب أطفال، ما إن كشف عليها حتي قال إنها نزلة برد عادية، وكتب لها مضادا حيويا، في المساء لم تهبط الحرارة بل تجاوزت الأربعين، فاتصلت بالطبيب الذي طمأنها وقال لها انتظري ثلاثة أيام «وكله سيكون تمام».
أجلت الأم سفرها، فلا المضاد ولا الكمادات قادران علي مواجهة الحرارة، ذهبت بالطفلة إلي طبيب ثان، فقال لها إن هذا المضاد غير مناسب، وغيره لها مع بعض الأدوية، ولم يتغير شيء، فحملت طفلتها وذهبت إلي مستشفي تبارك للأطفال،
فاحتجزها الأطباء يومين وغيروا المضاد الحيوي ونجحوا في تخفيض درجة الحرارة ونصحوها بالخروج لأن الحالة في تحسن، ولم يمر يوم واحد حتي عادت الأمور السيئة إلي ما كانت عليه، وزاد هزال «جودي» وسعالها الحاد الذي كان يمزق صدر أمها،
خاصة مع ارتفاع درجة الحرارة، فحملتها وذهبت إلي مستشفي الحميات، ولم يتغير شيء، ولم يحدد طبيب واحد ما هو مرض «جودي» ،فحملتها مرة أخري أمها ـ التي أصابها الوهن ـ إلي أستاذ كبير في أمراض الصدر، فما إن رآها حتي قال إنها مصابة بنزلة شعبية حادة قد تنقلب إلي أزمة ربوية، وألغي كل الأدوية السابقة.
عادت الأم وطفلتها إلي بيت أسرتها، ولكن كانت «جودي» محدودة التركيز، زائغة العينين، كان يومها «موافق الخميس»، وفي بلادنا كل الأطباء إجازة خميس وجمعة حتي في المستشفيات لا تجد إلا أطباء صغاراً،
اتصلنا عن طريق واسطة بطبيب أطفال كبير كان يشارك في مؤتمر بالإسكندرية، شرحنا له الحالة، فطلب تغيير المضاد حتي يراها في اليوم التالي، وحدث، وما أن رآها حتي طلب أن تدخل المستشفي فورا، ومن مجرد النظر إليها، أيقن أن هناك التهاباً فيروسياً، فطلب عمل أشعات وتحليلات،
ليتأكد بعدها من صدق ظنه، فيروس وصل إلي المخ، أياما من الرعب، ونحن نطارد فيروسا غامضا مفزعا، يصيب الصغيرة بتشنجات ورعشات مؤلمة، لم يفكر طبيب واحد، ولا مستشفي في إجراء تحليل قبل أن يكتب مضاداً حيويا؟ ألا توجد أي مؤشرات أو بروتوكول علاج للأطفال يجب أن يتبعه الأطباء كل في تخصصه، أم أن المسألة أصبحت بالمعاينة مثل السباكين، حتي هؤلاء أصبحت لديهم أجهزة للكشف!
عشرة أيام أخري في المستشفي، طبيب المخ والأعصاب يعتمد علي مضاد حيوي خاص، وطبيبة أخري تصر علي أن هذا العلاج لن يجدي وحده، وأن الصغيرة تحتاج إلي حقن لرفع المناعة، قيمة الواحدة ٣٥٠٠ جنيه، لا مشكلة، ولكن الطبيب المعالج يرفض بإصرار ويري أن الحالة تتحسن.
فجر الأربعاء كانت «جودي» يقظة، فهي لم تعرف النوم في رحلة ألمها إلا قليلا، بدأت تداعب أمها، تبتسم في وجهها، تتشبث بصدرها، ابتسمت الأم سعيدة بتقدم حالة وحيدتها، فيما كانت «جودي» تسقط فجأة من بين يديها، أسلمت الروح بهدوء وعتاب، بعد أن أصاب الفيروس مركز التنفس في المخ.
«جودي» ليست الوحيدة، آلاف مثلها يدفعون ثمن جهل الأطباء واستسهالهم، وعدم اتباعهم أي أسلوب علمي قبل كتابة دواء، فلو تحدد «الفيروس» منذ البداية لما رحلت «جودي»، ولما عاد والداها إلي حزنهما ووحدتهما وغضبهما من مستوي الطب في مصر!